كلمةٌ حولَ ما يُشاعُ عن حديثِ الهدَّةِ والصَّيحةِ في رمضان
الشيخ محمد عبد الله رجو
كلمةٌ حولَ ما يُشاعُ عن حديثِ الهدَّةِ والصَّيحةِ في رمضان بسم الله الرَّحمن الرَّحيم الحمد لله القائل: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا}.. والصلاةُ والسلامُ على سيِّدِنا محمَّدٍ القائل: (كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ) [رواه الإمام مسلم رحمه الله تعالى]. أما بعد: فإنَّ شأنَ الخرافاتِ الدَّخيلةِ على حقائقِ الدِّينِ محتميةً بظلِّ الدِّينِ؛ كشأنِ الحشائشِ الغريبةِ تظهرُ بين سنابلِ القمحِ ومزارعِ الفاكهةِ والخُضار، محتميةً بظلِّها، مستفيدةً من مائِها، ولا غرابةَ مِنْ ظهورِ هذهِ الحشائشِ الضَّارَّةِ الغريبةِ، ولكنْ لا بدَّ منِ استئصالِها وحمايةِ الزُّروعِ والثِّمار من ضَررِها.. وإنَّه لا بدَّ من اجتثاثِ هذه الخرافاتِ وتنقيةِ المجتمعِ منها كما تنقَّى هذه المزارعُ من الحشائشِ الضَّارَّةِ والغريبةِ.. وإنَّه ليس المفروضُ أن لا توجَد هذه الأباطيلُ والخرافاتُ، بل المفروضُ أن يكون للمجتمعِ وعيٌ ناضجٌ، ودينٌ قويمٌ يحارِبُ بهما الخرافاتِ مهما حاولتِ التَّستُّرَ باسمِ الدِّين. والحقيقةُ أنَّ ضررَ هذه الخرافاتِ يَسري إلى كلِّ مقوِّماتِ المجتمعِ من دينٍ وثقافةٍ ووطنيَّةٍ وغيرِ ذلك، بل إنَّ انتشارَها وتصديقَ النَّاسِ لها، ثمَّ ظهورَ بطلانِها في الواقعِ، ربَّما جعلَ النَّاسَ يتسلَّلُ إليهمُ الشَّكُّ فيما ثبتَ بالطُّرقِ الصَّحيحةِ منَ الغيبيَّاتِ، لذا فإنَّ الأيديَ التي تغرِسُ هذهِ الخرافاتِ وتنشُرُها وتروِّجُ لها كثيراً ما تكونُ أجنبيَّةً معاديةً آتيةً في سياقِ الحربِ الفكريَّةِ من خلالِ تشجيعِ مظاهرِ الخرافاتِ. وإنَّ سبيلَ مكافحتِها وتخليصِ المجتمعِ منها إنَّما هو إشاعةُ الوعيِ الإسلاميِّ الصَّحيحِ. هذا، وقدِ انتشرَ في الآونةِ الأخيرةِ بين النَّاس، وعلى وسائلِ التَّواصُلِ الاجتماعيِّ حديثٌ عن صيحةٍ أو هَدَّةٍ ستحصُلُ في رمضانَ إذا وافقَ ليلةُ النصفِ منه ليلةَ الجمعةِ، وهذهِ خلاصةٌ لأقوالِ العلماءِ والمحدِّثينَ وبيانِ مركزِ الأزهرِ العالميِّ للفتوى في شأنِهِ: إنَّ هذا الحديثَ ضعيفٌ جدّاً، بل حَكَمَ عليهِ جمعٌ من العلماءِ بالوضعِ، كالإمامِ العُقَيْلِيِّ في (الضُّعفاءِ)، والإمامِ ابنِ الجوزيِّ في (الموضوعاتِ)، والإمامِ ابنِ القَيِّمِ في (المنارِ المُنيفِ)، والإمامِ الذَّهبِيِّ في (تلخيصِ المستدرَكِ)، والعجلونيِّ في (كشفِ الخفاءِ)، والطرابلسيِّ في (اللؤلؤِ المرصوعِ) رحمهم الله تعالى، لذلك لا تصحُّ نسبةُ هذا الحديثِ إلى سيِّدِنا رسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ. والقاعدةُ العامَّةُ في مثلِ هذهِ الأحاديثِ ــ كما ذكرَ أهلُ العلمِ ــ أنَّ مِنَ الأحاديثِ الموضوعةِ أحاديثَ التَّواريخِ المستقبَلةِ، وهي كلُّ حديثٍ فيه: إذا كانَتْ سَنَةُ كذا وكذا حلَّ كذا وكذا. وذكروا مثالاً لذلكَ حديثَ: (يكونُ في رمضانَ هَدَّةٌ..) وحديثَ: (يكونُ صوتٌ في رمضانَ إذا كانَتْ ليلةُ النِّصفِ منهُ ليلةَ الجمعة..). وبناءً عليه: فينبغي الحذرُ والتَّحذيرُ مِن تَدَاوُلِ هذهِ المنشوراتِ وأمثالِها مِن الشَّائعاتِ والأباطيلِ المبنيَّةِ علىٰ الخُرافةِ، والتي لا مُستندَ يَعضُدُها من صحيحِ العلمِ والدِّينِ، وقد روى الإمامُ مسلمٌ رحمهُ اللهُ تعالى في مقدِّمةِ صحيحِهِ عنِ التابعيِّ الجليلِ محمَّدِ بنِ سِيرِينَ رحمهُ اللهُ تعالى أنَّهُ قَالَ: (إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ، فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ). وأمَّا بالنسبةِ لأحاديثِ الفتنِ عموماً فالقاعدةُ في التَّعاملِ معها كما ذكرَ الإمامُ القرطبيُّ رحمهُ اللهُ تعالى في كتابِهِ (التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة): (والذي ينبغي أن يُقالَ به في هذا البابِ: أنَّ ما أخبرَ بهِ النبيُّ صلَّى الله عليهِ وسلَّمَ منَ الفتنِ والكوائنِ أنَّ ذلك يكونُ، وتعيينُ الزمانِ في ذلكَ من سنةِ كذا يحتاجُ إلى طريقٍ صحيحٍ يَقطعُ العذرَ.. وإنَّما ذلك كوقتِ قيامِ الساعةِ، فلا يعلم أحدٌ أيَّ سنةٍ هي ولا أيَّ شهر، أما إنَّها تكونُ في يومِ جمعةٍ في آخرِ ساعةٍ منه، وهي الساعةُ التي خُلِقَ فيها آدمُ عليه السلامُ، ولكن أيَّ جمعةٍ لا يَعلَمُ تعيينَ ذلكَ اليومِ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، وكذلكَ ما يكونُ منَ الأشراطِ تعيينُ الزمانِ لها لا يُعلَمُ، والله أعلم) انتهى. ومن هنا نعلمُ الخلطَ والخطأَ الذي يقعُ فيه كثيرونَ باستعجالِهم عندما يتناولونَ أحاديثَ معيَّنةً في الفتنِ لتنزيلِها على واقعٍ معيَّنٍ، نسألُ اللهَ تعالى السلامةَ.